-رابطة التسابيح الثقافية - فن * فكر*ادب *ثقافة * لكل المبدعين العرب المدير العام : الشاعر : شريف العسيلي

الجمعة، 23 مارس 2018

زلزال بقلم خديجة اجانا

زلزال
كل عيد أم، تغتم و تكتئب أكثر.. ليس لأنها لا تتلقى تهنئة و وردا، بل لأن هذا العيد بالضبط يذكرها بالسبب الحقيقي الذي جعلها تتردد على عيادات الطب النفسي، و تدمن مضادات الاكتئاب و الحبوب المنومة منذ أربعة عشر عاما...
عادت من عملها، مساء ذلك اليوم، ممزقة الروح، مشتتة الأفكار، يشق رأسها صداع فظيع لم تخفف من حدته فناجين القهوة، و لا الأقراص التي تناولتها... حاولت أن تنشغل بإعداد دروس الغد علها تنسى تلك الهزة العنيفة، عبثا كانت تحاول و مطارق تهوي بقوة على رأسها و تحول دون تركيزها... اندست في فراشها، تقلبت مرات، كان جسدها يغلي، مع أن الجو كان باردا جدا، تعرقت، نزعت ملابسها، أضاءت الأباجورة و أخذت تكتب، كتبت كثيرا، كانت تخاطب تلاميذها، و تحتج لنفسها ما جعلها تدخل في نوبة عصبية صارت معها تتكلم بصوت عال و كأنهم حاضرون أمامها... بل أكثر من ذلك، تذكرت أقوالا و مواقف قديمة لم تعرها أهمية من قبل، و صارت تحللها و تعيد فهمها من جديد، من ذلك ما قاله زميل لها يوما "أنت مختلفة عن الأخريات، لم ألحظ يوما أنك تغيبت... " ربما كان يقصد أنها ... لكنه قالها بشكل غير مباشر... و ما قالته زميلتها حين أسندت لها مستويات جديدة، مخاطبة إياها و زملاء لها :" أنا لدي مسؤوليات؛ بيتي و أبنائي، عليكم التخفيف عني و إلا قدمت شهادة طبية، و تركت كل الحمل عليكم..."كانت بالتأكيد تقصد أنها ... و التلميذات اللواتي كن ينتظرن قدومها عند بوابة المؤسسة، أو في ساحتها، كن يقصدن مسح جسدها ليعرفن إن كان يطرأ عليه تغيير أو تظهر عليه علامات ... و رواد مقهى أسفل العمارة التي تقطنها، كانت نظراتهم تلسع جسدها كلما خرجت أو دخلت، ربما كانوا يلوكون سيرتها، و يشفقون على زوجها الذي لا يرى إلا و هو يحمل أطفال أصدقائه... 
دخلت القاعة، كعادتها، قبل موعد الدرس بنصف ساعة.. كشواظ نار، أصابتها في عينيها عبارة " فلانة عاقر " حفرتها يد أثيمة بالبركار أو نحوه على السبورة، زلزلت كيانها و دمرت أبراج صبرها... جلست و حاولت أن تتماسك، و ألا تنهار بحضور تلاميذها. قدمت دروسها بحماس، ربما أكثر من المعتاد، رغم المعاول التي كانت تهدمها من الداخل، في حين كانت نظرات التلاميذ تتنقل بين تلك العبارة وجسدها لتستقر على وجهها في محاولة يائسة لمعرفة مدى الأثر الذي خلفته لديها... لم تكن أما، و لم تكن عاقرا، لكنها قضت بينهم أعواما لم ينتفخ فيها بطنها كزميلات لها، و لم تظهر عليها آثار حمل... و ككل مجتمع متخلف، يرمي جورا المرأة بالعقم، و يجعله عيبا لصيقا بها دون الرجل، نعتوها بالعاقر... 
كان الليل في ثلثه الأخير، لم يغمض لها جفن، و لم يخف صداع رأسها، و لا معاول الهدم ... كان الألم كوخز الإبر ينتشر في كل جسدها، فترتفع حرارتها و يتفصد جسدها عرقا... احتدت نوبتها، أخذت تنتحب و تعنف نفسها و... في غمرة ذلك، أحست باهتزاز سريرها، خالت نفسها تتوهم .. حاولت أن تعتدل في فراشها.. كان يهتز بقوة.. الغرفة تهتز .. كل شيء يهتز .. أصوات غريبة تصم أذنيها و تضاعف وجعها... كان زلزالا عنيفا ضرب البلدة و دمر نفسيتها المهتزة...

خديجة أجانا / المغرب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق