29/6/2017
اسمها مدام حلمي،امرأة في الخمسين من عمرها تشرف على مشتل زهور بإحدى الأحياء الراقية ،كل عملائها يحترمونها ويحبون النظر لوجهها البشوش،فهي رغم السنين التي رسمت بعض الخطوط الدقيقة على وجهها إلا أنها مازالت تحمل جمال الصبا،خدود سكنتها الورود واستكانت بها، وميض يتلألأ على جبهتها، أهداب كالسهام ترشق كل من نظر لعينيها الساحرتين اللتين تسبيان كل من يراهما بدون شفقة،ثغر دقيق لا تفارقه الابتسامة ،ولا أخفيكم سرا فاسمها في بطاقة الهوية
( ابتسام ) ولكن الجميع يعرفونها وينادونها باسم مدام (حلمي) نسبة لزوجها الذي يعرفه الجميع من خلال حديثها عنه وعن قصة الحب التي مازلا يعيشانها رغم مرور كل هذه السنوات ،عندما تبدأ في سرد قصة حبها لحلمي يتهلل وجهها ويصبح كالبدر المضيء ويتحول صوتها لموسيقى تعزف على قيثارة مسبلة جفونها مبتسمة ابتسامة رقيقة لا تسمع من تلك الشفاه سوى أبيات شعر نظمت في وصفه ،كم هو رقيق حالم رومانسي عاشق لها يتعبد في محرابها كل ليلة وما تلبث تحكي كيف تعرفت عليه أول مرة كان يعمل بمحل للزهور وعندما رآها لقبها بزهرة النرجس ،وها هي تقلده عندما تلقب عميلة لها جاءت لشراء الزهور باسم زهرة ،فتنادي هذه بالوردة الجورية وتنادي تلك بالزنبقة وأخرى بزهرة الاوركيدة وتلك داليا وتلك فلة وهذه ياسمينا ،ترى الجميع زهور في حديقة تملكها ، لذا أحبها الجميع وترددوا على المشتل لرؤيتها والاستمتاع بحديثها الدافئ وابتسامتها الدائمة التي لا تفارق وجهها ،وفي نهاية اليوم تطلب من صاحب المشتل أن تعود مبكرا حتى تتناول وجبة العشاء مع زوجها وحبيب عمرها الذي اشتاقت له بعد يوم طويل وبابتسامة رقيقة تلقي تحية المساء عليه وتعود لبيتها تضع المفتاح بالباب حتى لا تزعج حلمي تدخل في هدوء تضيئ المصباح وتلج للمطبخ لتحضير العشاء وهي تردد الأغنية التي يحبها بصوت خافت دافئ ،تزين المنضدة بزهور النرجس التي يحبها وتضع الشموع ككل يوم تضع طبق لها وطبق له وتخرج بالطعام الساخن ثم تدخل حجرتهما في هدوء تعلو وجهها ابتسامة رائعة ولكن لا يوجد بالحجرة أحد ،الفراش مرتب لم يطأه أحد وإلي جوار الفراش منضدة صغيرة عليها صورة شاب في العشرينات من عمره وسيم ذو ملامح هادئه ،تحمل الصورة وتضمها لصدرها ثم تقبلها وتبدأ في الحديث معها - اعتذر حبيبي تأخرت عليك انت تعلم المواصلات ولكني عدت أحمل لك كل الحب بقلبي وأعددت لك كل أصناف الطعام التي تحبها يا حبيبي سارت نحو المنضدة ووضعت صورته أمام الطبق المخصص له وجلست أمامه وبدأت في تناول الطعام وهي تنظر نحو صورته بشوق وحب وتعود بذاكرتها لأجمل أيام مرت بهما عندما طلبت منه أن يتوسط لصاحب العمل لتعمل لديه بمحل بيع الزهور ولأنه أُعجب بها من أول دقيقة حاول مساعدتها لتظل بجواره وما لبث الإعجاب أن تحول لحب بمرور الأيام وهو يناديها زهرة النرجس ويمطرها بكلمات الحب حتى نما الحب وقررا الزواج ،ولانهما لا يملكا من المال ما يؤسس منزل زوجية بسيط قررا أن يعملا ويدخرا المال حتى وإن اقتاتا ملحا وخبزا وشحا على نفسيهما ليستاجرا حجرة واحدة لتكون قصرا بحبهما ،وافق أهلها وتمت الخطبة واستاجرا هذه الشقة الصغيرة وبدأ في إعدادها بابسط فرش وظلا يحلما معا بحياة كلها حب وعشق وسعادة واقترب موعد الزفاف أعدت ثوبا ابيضا وانتظرته وكلها شوق للحظة التي سيجمعهما فيها منزل واحد ولكن الحياة أبت أن تجمعهما ومات الحلم بموت حلمي بحادث جعلها تسقط في غيبوبة أفاقت منها رافضة موته فالحلم لايموت أقنعت الجميع أنه مازال يحيا بقلبها ،عاشت بنفس الحجرة التي أسسها تتحدث معه وتناجيه وتعيش معه حياة أبدية لا تنتهي إلا بموتها ظل حلمي هو الحلم الذي حققته هي في خيالها سنوات طويلة والجميع مصدق وجود حلمي ويستمعوا لحكايات حلمي ويومياته التي لا تنتهي على لسانها، تعيشه وتحلم به ، حولت مأساة موته لحياة جديدة أسستها كلها مرح وحياة وحلم لا ينتهي بالموت بل يشع نورا يضئ حياة الآخرين، تجمع بقايا الطعام وتحمد الله تخلد للنوم لتحلم بحلمها وبحلمي.
النهاية
دلال احمد الدلال

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق