وقد جاء العصافرة ليؤكد - كحلقة امتداد طبيعية لشعراء
القافية – اقتداره على استمرار نهج النظم على القافية
وتموضعه في هذا اإلطار هو الحكم على صوابية اختياره
نهجا وشكال ، دون الدخول في جدلية االختيار التي هي
من الحرية بمكان فنا وأدبا . وإذا كانت اللغة هي الوسيلة
األولى لعملية التواصل مع اآلخرين، "فإنها تتعدى
وظيفتها االجتماعية المحدودة هذه، فتشكل األساس في
عملية بناء القصيدة؛ إذ تمثل الطريق الموصلة بين المبدع
َّل في إيجاد
والمتلقي، فتؤدي بذلك وظيفة أخرى، تتمث
روابط انفعالية بينهما، فتتجاوز بذلك لغة التقرير إلى لغة
التعبير، وتسعى للكشف عن العواطف واألحاسيس،
واالنفعاالت الكامنة في قلب الشاعر، ومحاولة إيصالها في
نفس المتلقي". ولذا وجدت العصافرة يختار من اللغة
وإيحاءاتها، ما يروي عطشه ويطفئ ظمأه، ال ليأتي بألفاظ
وتراكيب يجهلها الناس تما ًما، ولكن ليصور صفوة قدرته
وكامل طاقاته ليطرب آذانهم ويأخذهم لذاك العالم النقي
الذي ينشده ويتطلع إليه، واتكأ بذلك على األلفاظ المنتقاة،
والتي تومئ إلى ما وراء المعاني، فتُضيف إليها أبعادا
جديدة . كما وجدت لغة الشاعر- في أكثر قصائده-
واضحة تبتعد عن الغموض وتميل إلى الوضوح
والواقعية، فهي لغته الخاصة به التي تنبعث من واقعه
ووعيه بأدواته الفنية، فالنظر إلى القصيدة الشعرية في
شعر العصافرة يحتاج إلى إدراك عميق للحالة الشعورية
والتجربة اإلنسانية التي انطلقت من فكر الشاعر،
واالنغماس فيها يحتاج لتلك الحصانة المعرفية وفهم الحالة
الذهنية التي أدت إلى والدة القصيدة تمهيدا لسبر غمارها
والوصول لمقاصدها التي قصدها الشاعر كما ينبغي،
ودون ذلك تنزع القصيدة عن سياقها الشعوري وتبقى نصا
لغويا تراكميا وشكال ال حياة فيه. ومما ال شك فيه فإن
عمل الشاعر العصافرة في سلك التعليم قد بان أثره جليا
في شعره باتباعه نهج الوضوح والمباشرة في الجملة
الشعرية دون إغفال للصورة الفنية ، وكان لدوره في
إدارة مكتبة المؤسسة التعليمية أثر نحو القراءة المتواصلة
واإلفادة المعرفية الشاملة والتي شكلت له معينا حقيقيا
لتكوين القصيدة المأمولة فاعتمد الجملة الشعرية الواضحة
، وأكسبها لباس الصورة الشعرية والبالغية بأسلوب سهل
ممتنع ، وخلت تراكيبه غالبا من العيوب النحوية ،
وجاءت متوافقة مع النحو والصرف ، فهو بذلك يعكس
صورته الذاتية البسيطة على أشعاره المنسابة بعفوية
ومسؤولية واضحتين. وأخيرا نحن بين يدي ديوان متنوع
الموضوعات، بذل الشاعر خالله جهده في إيصال
تجربته، والـتأكيد على شاعريته، ومقدرته ركوب بحور
الشعر والسبح فيها، أظهر مقدرته اقتناص الحالة
الشعورية وتشكيل الصورة الشعرية كما يشاء ودونما
تكلف أو إعياء، وأظهر جرأته في تناول موضوعاته
بعفويته الصادقة ونطق بما يحس ويشعر دون مواراة أو
محاباة ألحد ، فقد عكست قريته الهادئة الوادعة عليه
صفاتها وألبسته ثوبها الخاضع للمبادئ والقيم ، فغابت عنه
األنا ، وبانت مقاصده لكل عابر سبيل ، وكشفت عن
إنسان انقادت له لغة الشعر يطوعها كيفما يشاء وينشر
خاللها تجربته األولى بكل ثقة واقتدار .
كتبها / أ . خليل عبد المجيد صالح
مدير مدرسة ابن رشد ماجستير لغة عربية / األدب
األموي
محاضر مادة اللغة العربية في جامعة الخليل
2017/7/13
المقدمة
بسم هللا الرحمن الرحيم
الحمد هلل رب العالمين والصالة والسالم على سيد
المرسلين وبعد :
فان ديوان " حروف متمردة " . هو ديواني الشعري
األول والذي سيتبعه أجزاء أخرى بإذن هللا تعالى ،
حيث واصلت الليل بالنهار ليرى النور كعمل أدبي
راجيا من هللا ان يكون متميزا . فهو ثمرة جهد
متواصل وعصارة فكر تجمعت لتروي ظمأ العطشى
الذي يسعون وراء كثير من اإلعمال األدبية ، فال
يجدون إال سرابا يبدد جهدهم، وال يروي ظمأهم ،
خاصة ممن يعشقون الشعر العربي القديم ، او الشعر
العمودي ، الذي احتوى تاريخ العرب ومآثرهم
ومفاخرهم . في وقت قل فيه شعراء هذا النوع من
الشعر ، في عصرنا الحاضر ، واعتبره كثر منهم
عودة الى الوراء وعنوانا للتخلف ، فعزفوا عنه . تحت
حجج واهية ال يجوز تصديقها، وال يمكن لعاقل يعرف
العربية ، وعلى ماذا بنيت ، وكيف نشأت ، أن يقتنع
بأعذار ذهبت أدراج الرياح .وتبددت مع أول هبة ريح
، ورغم ذلك وعلى الرغم من تلك الحجج ، فإننا أيضا
لم نجد إال القليل ممكن كتبوا على شعر التفعيلة أو ممن
أجادوا . وما تبقى منهم كل له طريقته الخاصة في أن
يكتب ما يريد ويسمى ما يريد .
لذا ومن منطلق قناعتي بأهمية الشعر العمودي ،
كقاعدة صلبه قامت عليه معظم أسس اللغة العربية ،
وقواعدها وبالغتها ، كان لزاما لي أن أترجم قناعاتي
عمليا . فعمدت إلى تأليف هذا الديوان خاصا بالشعر
العمودي ، خاصا بقناعاتي وهواياتي ، انتقيت من
قصائدي مجموعة ال بأس بها ، لتكون نموذجا رائعا
تغطي أغراض الشعر العربي القديم . من فخر ورثاء
ووصف ، وهجاء وعزل ومديح . غير متناس ما
استجد من أغراض في هذا المجال . آمال أن أكون قد
استوفيت الحديث عن هذه األغراض . ولو بنوع من
اإليجاز .
وكنت قد بدأت ديواني بقصيدة ارتقيت بها سماء العلى
. ووصلت فيها المجد . وقادتني المعالي ألكتب على
جبين الشمس وتحت ظالل القمر ، لمكان رضعت منه
هواء المجد . وتنسمت في رباه معالم الحرية . وعشقت
في ترابه الشهامة والكبرياء ، وكتبت على وجه الغيوم
، بكحل خطته يدي الكتحل به في هوى بالدي وهوى
بلدتي ، التي كانت تعشق ان تكتحل عيناها بمداد العلم
وتستحم بضياء القمر ، وتنظر بمرآة االنتماء والعزة
واإلباء . فكانت أول قصيدة لي هي "بلدتي بيت كاحل
" والتي عشقتها كما عشقت روحي، وأحببتها كما
أحببت مجدي، وأسكنتها في فؤادي ، فلها أغني ،ولها
أكتب ، ولذكريات الطفولة فيها تهامسني الكلمات ،
وتصدح بما تهوى النفس ، وتهدئ ما فاض من
المشاعر
ثم استكملت بقية قصائدي ، في معظم أغراض الشعر
العربي كما ذكرت في بداية المقدمة جاهدا في ذلك أن
أكون قد استوفيت ما أردت، ووصلت إلى ما أصبوا
إليه ، وأن أكون قد وضعت بين يدي القارئ عصارة
فكري وعلمي ، وربطت بين أمجاد العرب وماضيهم،
وبين حاضرهم، برباط البالغة والقوة والمتانة ،
وأبقيت ذلك الحبل موصوال إلى يوم القيامة ، راجيا من
هللا عز وجل أن أكون قد وفقت في كتابي هذا ، وان
أكون قد حققت الغاية العظمى التي أصبو إليها ، فان
صادقني التوفيق، فذلك من فضل هللا علي ، وان كان
غير ذلك فأملي في هللا أن أكون قد اجتهدت فنلت اجر
االجتهاد . وهللا ولي التوفيق
_______