-رابطة التسابيح الثقافية - فن * فكر*ادب *ثقافة * لكل المبدعين العرب المدير العام : الشاعر : شريف العسيلي

السبت، 7 أبريل 2018

الاكتواء بقلم الدكتور هاني زريفة



الاكتواء بحب أخرق
قصة قصيرة:
بقلم: هاني زريفة
نادته إلى الشعبة، فصافحته وقالت: أنا سلافة مُدِّرسةُ الرياضيات الجديدة، اطلعت على علاماتك في الفصل الأول، ممتازة في جميع المواد؛ ولكن نقصك بضع علامات في الرياضيات، هذا لا يجوز يا خالد، أنت الأول على المدرسة!
- يا آنسة كان المدرس من محافظة أخرى، ولم أكن أفهم لهجته جيداً!
- لا بأس، أريد ستين من ستين في الفصل الثاني!
- حاضر آنسة!
ربتت على كتفه وعاد إلى الفرصة كمن ضرب على رأسه، استعاد كلماتها التي رشتها رشاً من ثغر كحبة الكرز، أعطاها سحراً كالبحر، وتأثيراً كالعاصفة!... غرق في الخجل حتى أذنيه... وانتشله الفخر إلى السماء!
كانت قصيرة، ذات خفة ورشاقة؛ فبدت أصغر من سنها بكثير، شعرها أسود طويل ومسبول، وبشرتها بيضاء ضاربة إلى الصفرة، في عينيها السوداوين الواسعتين حنان يكفي أيتام الأرض، وأمل ينتشل الأموات من قبورهم!
أصبحت مادة الرياضيات أحب المواد إليه، كان في حصتها كالطاووس، وكانت تغذي غروره، فتدفعه للإجابة على الأسئلة التي لا يتبرع أحد للإجابة عليها، وتطلب منه حل المسائل التي لا يحلها سواه!... كانت فخورة به فخر النحاة بتمثال صنعه بيديه، وكان متعلقاً بها تعلق الرضيع بأمه!
لم يعد يستخدم كتاب الرياضيات إلاّ لنقل أسئلة الوظائف، يكفيه أن يستعيد سحر كلماتها في أي درس، ليظهر جلياً كنور الشمس!
مع اقتراب نهاية العام الدراسي، أخذت تتقد بداخله شعلة زرقاء، تتأجج شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت لا تطاق، وأخذ يغمره الحزن، وينبعث من عينيه بشكل صارخ!... لاحظت المُدَرِّسةُ ذلك، فظنت بأنه القلق الذي يسبق الامتحان، فأعطته اهتماماً أكبر، وغمرته بنهر من الحنان، ولم تكن تعلم بأنها داوته بالتي كانت هي الداء!
أخذ الطلاب يتحدثون عن علاقتها بمدرس اللغة الفرنسية، وقرب خطوبته لها؛ وبما أنه كان يراها كالملاك لا تتزوج ولا تنجب، سارع إلى دحض الخبر!
كان حبه لها حب مؤمن لنبي، وعشق روح لروح، وجسدها – على جماله وجاذبيته – كان بالنسبة إليه مقدساً، إلى درجة أنه لا يمكن أن يتصور أنه يمكن لأحد أن يمسه، أو يطيل النظر إليه، وحين ارتدت فستاناً قصيراً، لم يستطع النظر إليها، فأشاح بنظره، وغطاها بستار كتلك التي تغطى بها أضرحة الأولياء!
جلس إلى مائدة الطعام، ولم يكد يتناول لقمته الأولى، حتى شبَّ في صدره حريق، فانتعل حذاءه ومضى... وجدها على الشارع الرئيسي تنتظر مرور سيارة، بعد أن زارت زميلتها، فسلم عليها، وتابع سيره ليلتف من مفرق آخر ويعود إلى البيت!
مضى يوم الجمعة ثقيلاً وكئيباً!... غداً امتحان الرياضيات، وأوصته بألا يغادر المدينة قبل أن تراه!...
لم يستطع القراءة، ولا مراجعة الدروس، فخرج باحثاً عن أصدقائه، وكانوا قد ملّوا الدراسة أيضا، وأخذ كل منهم يغني على ليلاه، وبما أن شاكر كان من أبناء المدينة، وأخبرهم في فنون اللهو، فقد اقترح أن يحضروا فيلماً سينمائياً، وقال بأن (سينما سرايا) تعرض فيلماً هندياً جميلاً، وافقوا على المقترح، وقرروا الذهاب بسيارة عابرة، ليعودوا بعد انقضاء الفيلم بسيارة أجرة يتقاسمون أجرتها فيما بينهم!
كانت بطلة الفيلم تشبهها، وكانت تثب وترقص وتغني بشكل ساحر، فاستبدلها ببطلته الخاصة، وتابع الرواية بشغف، وحين ضمها البطل بين ذراعيه، صعق، فأعادها إلى هنديتها واستل بطلته منها بسرعة البرق!... كان عنوان الفيلم: (الاكتواء بحبٍّ أخرق)!
حين خرجوا إلى النور، ورؤوا وجهه، أخذوا يسألونه: ما بك؟!... ما بك؟!... فأجاب شاكر: إنه يكتوي بحب أخرق!
خرج من الامتحان لمقابلتها، فودعته بعد أن قدمت له بطاقة جميلة، عليها لوحة عالمية لبحر وزورق رسمت بالحبر الأسود، فوقها غطاء أزرق شفاف يعطي للبحر سحراً أخاذاً!... كتبت على الصفحة المقابلة عبارات جميلة، وأخذت منه وعداً أن يختص بالرياضيات!
استل يده من يدها وعاد... كان هذا أول حب في حياته... وربما سيكون الأخير! ولم يبق منه سوى بطاقة زرقاء... واكتواء بحب أخرق!
(تمت)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق