صراع الثقافات
الحلقة الرابعة من :
ذكريات باسمة
------------------------
بقلم : رجاء حسين
--------------------
كنت قد حسمت أمري ..واتخذت قراري
حان وقت اللعب ولنرَ من الفائز..الفائز يضحك في النهاية.
تفاديا لكل ذلك العبث الذي صدمت به ؛كنت قد قررت نقل نشاطي إلى ملعب آخر، ملعب لا تتقبل تربته زراعة أي نوع من أنواع الكوسة، حتى وإن قبلت تربته غرس بذرة من بذور الكوسة..فإن تلك البذرة لن تثمر وتزهر بالتأكيد.
هل كنت سأجد ملعبا بتلك الصفات أجمل من ملعب الإذاعة المدرسية؟
كانت قدرتي على إلقاء الشعر قد ظهرت في الفصل في حصص اللغة العربية..وكانت المعلمة دوما تثني على نطقي السليم ، وأدائي عند القراءة..ومن هنا انطلقت بخطوات ثابتة؛ لأكون لاعبة أساسية في ملعب الإذاعة المدرسية..هنا لا يستطيع أي من الحكام أن يخرج لك بطاقة حمراء حتى وإن كان ضميره ليس حيا بالقدر الكافي؛ فتكوين فريق ناجح في مجال الإذاعة المدرسية اليومية ليس بالأمر السهل دائمًا، وخصوصًا في الفقرات الخاصة بإلقاء الشعر والخطابة؛ فهذا مجال لا يمكن فيه دفع أي شخص لا يمتلك الموهبة أو القدرة، حتى وإن كان ابن مدير المدرسة ذاته، وإلا سيقع اللوم بشكل مباشرعلى من اختاره.
عندما سألتني معلمة الإذاعة إن كنت أحفظ شيئامن الأناشيد، أخبرتها أنني أحفظ الكثير منها..طلبت مني إلقاء أي شيء أختاره..بعدها قررت أني سأكون لاعبة أساسية في فريق الإذاعة، وكان هذا من وجهة نظري أول خطوة على الطريق الصحيح؛ ليعتدل الميزان قليلا.
لم أكن ألقي بالا لعصابة البنات، ولا لمايفعلنه لإغاظتي واستفزازي، وكنت آخذ حقي بهدوء في أغلب الأحيان.
بدأت الأمور تهدأ نسبيا وخاصة بعد اكتشافي مالم ألحظه في أيامي الأولى في المدرسة.
لم تكن تلك المجموعة تثير استفزازي أنا فقط؛ بل كان هناك البعض أيضا من بقية التلاميذ ، وإن كنت أحظى بالنصيب الأكبر كوني غريبة عنهم.
انطلقت في طريقي وكل يوم يمر تزداد ثقتي بنفسي ويزداد إيماني بأن رفض معلمة الألعاب اشتراكي بالتدريب في ذلك العرض إنما يعود لعيبٍ فيها هي وليس لعيبٍ في أنا، وأراحني هذا الإحساس كثيرا.
بمرور الأيام قويت علاقتي ببقية التلاميذ بالفصل وبالطبع بمعلمتي أيضا والتي كان حبي لها يزداد يوما بعد يوم .
عندما كانت إحدى البنات تضايقني وأشكوها للمعلمة كانت تربت على شعري بحنان ، وتقول وهي تضحك..هي بس غيرانة منك علشان أنت ملونة .أقول لها ازاي يعني؟ تقول لي ..أنت جاية لنا من اسكندرية بشعرك ملون وعيونك ملونة ، أرد عليها..ولكني لم أفعل لها شيئا.. تقول..معلش سامحيهاعلشان خاطري..أرد فورًا ..خلاص سامحتها.
كانت تقول لي هذا الكلام بالطبع بصوت هامس ، وكأنها تسرّ إلي بسر خاص.كان يكفيني تفهمها أني لم أخطئ حتى أهدأ، وما أن تقول علشان خاطري حتى يصير كل شيء على مايرام ؛ كان خاطرها غاليا عندي جدا
----------------------------------------------------------------------
خليهم يغسلون الكباب
--------------------------
من المواقف التي لاأنساها ، عندما كان يأتي عامل البوفيه ليسأل المعلمة عما تريد فكانت ترد...شاي..ثم تعقب وهو خارج : خليهم يغسلون الكباب .. وكنت أنظر إليها باستغراب شديد، وأسأل نفسي..هي لم تطلب طعاما ..لقد طلبت فقط الشاي..فما علاقة ذلك بالكباب؟ ولماذا تريدهم أن يغسلوه؟ ثم أن الكباب لايغسل أصلا وإنما يُؤكل مباشرة !!!..
تكرر هذا الأمر أكثر من مرة ، وكل مرة تزداد حيرتي .
كانت الأسئلة تنحشر داخل فمي، ولا أستطيع البوح بها؛ فقد تعلمت من كارثة الأمس بسبب كلمة انزاحي.، وماكاد يترتب عليها من أزمة دبلوماسية بين الشمال والجنوب .أن لكلٍ ثقافته، وأنه من أبسط قواعد اللياقة أن أطبق فمي في بعض المواقف، وألّا أعلق على أي شيء أجده غريبًا بالنسبة إليَّ ..وربما كانوا هنا فعلا يغسلون الكباب قبل أكله..ولكن كيف؟!!!! ثم أن الرجل في النهاية لايأتي سوى بالشاي.. ولا أرى كبابا ولا كفتة ولا أي طعام من أي نوع.
ولأن الصبر مفتاح الفرج ؛ فقد ألزمت نفسي بالصبر علَّ وعسى أن تجيب الأيام عن أسئلتي الحائرة...
لم تمضِ أيام قلائل حتى جاءني الجواب على طبق من ذهب؛
عندما جاء عامل البوفيه في ذلك اليوم، ووضع كوب الشاي على المنضدة........أمسكت المعلمة بكوب الشاي، ورفعته قليلا وهي تشير بامتعاض إلى شيء ما عالق على جوانبه، وقالت موبخة العامل...إيه ده؟
..في إيه ياأبلة؟
...إيه القذارة دي ؟؟ أنا مش كل شوية أقول لكم اغسلوا الكبابي كويس.
أاااه..أخيرا استوعبت الكلمة...كانت تقصد بالكبابي..الأكواب....
أجمل ما في الأمر أنني قد عادت لي قناعتي بأن الكباب يؤكل مباشرة ولا داع 😂 😂 😂 😂 😂 😂 😂لغسيله قبل الأكل
مر هذا العام بخيره وشره..ابتساماته ودموعه..وكنت قد تأقلمت بشكل جيد يكفيني لإكمال المسيرة بأقل قدر من المشاكل والصعاب ، وكنت قد تعلمت فيه بعض الدروس التي أفادتني كثيرا فيما بعد.
كرهت كثيرا صفة التكبر، وكنت أعتبرها منقصة وليست مكرمة؛ فالله تعالى هو الذي يميزنا ببعض الأمور، ويميز غيرنا بأمور أخرى ، وهكذا، فلم الكبر والغرور؟
------------------------------------
وكان من أهم الدروس التي تعلمتها في هذا العام :
---------------------------------.
كن أنت..كن نفسك...لاتهمل قدراتك التي منحها لك الله، وحاول التأقلم مهما كانت الظروف .
لا تأخذ الجميع بإساءة البعض، ولاتجعل الجزء المشوه من الصورة يعميك عن بقية الجمال في الجزء الأكبر منها..
..لا يوجد شيء مظلم من جميع الجوانب فهناك دوما الجانب المضيء فقط ابحث عن شعاع النور الذي يوصلك إليه.
----------------------
-----------------------------.
الدرس الأكبر..كيف تكون معلمًا إنسانًا..كيف تكون معلمًا له بصمة جيدة..وله دور فعال في الأخذ بيد طلابه..وخصوصًا الصغار..الذين يرون الحياة أحيانًا من خلال
معلمهم الذي قد يمثل لهم الكثير والكثير
إذا كنت معلمًا لاتستهن برسالتك؛ فهي رسالة مقدسة...التعليم مهنة الأنبياء والرسل
تذكر ذلك دائمًا وبشكل جيد
------------------------------------------------------------------------------
إلى اللقاء في الحلقة القادمة
رجاء حسين
-------------------------
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق