الحلقة الخامسة
صراع الثقافات
----------------------
الدين المعاملة
-------------
بقلم : رجاء حسين
------------------------
صراع الثقافات..الحلقة الخامسة ... الدين المعاملة
-------------------------- --------------...
استمرت الأيام التي لم تخلُ من بعض المشاكسات من هنا وهناك..وخاصة من بعض التلاميذ الذين لم يكن يعجبهم أن اصبح ندًا لهم بتلك السرعة، فضلا عن علاقتي المميزة بمعلمة الصف، واشتراكي أيضا في بعض الأنشطة المدرسية كما سبق والتي أتاحت لي مكانة مميزة بعض الشيء. ماأشعرني أكثر بالراحة أنني كنت قد كونت صداقات لا بأس بها مع الكثير من زملائي وزميلاتي، والذين بدأت نظرتهم لي تتغير بالتدريج من خلال التعامل الطيب بيننا، وبدأت تتلاشى تدريجيا الفكرة التي أخذوها عني في أيامي الأولى في الصف، وحمدت الله كثيرًا على ذلك ؛ فلم أكن أحب أن يأخذ أحدهم عني فكرة كوني مغرورة ، أو غير ذلك من الصفات التي ظنوها فيّ في الأيام الأولى لوصولي.
.
كنت لا أحب الحصص التي تغيب فيها المعلمة لأي سبب، بالرغم من تواجدها معنا معظم اليوم باعتبارها معلمة صف..
كانت الحصة قد شارفت على الانتهاء..عندما وقفت معها وأنا أمسك بيدها وأجذبها وأقول لها ..ابقي معنا..لا أريدك أن تتركي الفصل..ضحكت وقالت..ماينفعش..دي حصة دين..
قلت لها ..وإيه يعني؟! خليك معانا.
قالت لي..دي حصة دين تدرسها لكم معلمة الدين، وأنا أيضا سأذهب لإعطاء درس الدين لبقية زملائك المسيحيين، وبعدها نتجمع كلنا في الفصل..
وببراءة طفلة ترى أن الأنبياء والرسل كلهم من عند الله أجبتها..و
إيه يعني؟ ماتقلقيش ياأبلة أنا مؤمنة بسيدنا عيسى عليه السلام، وأحبه، وأحب السيدة مريم.
ردت ..أعرف ياحبيبتي، ولكن النظام نظام، ونتقابل في الحصة الجاية.
ودعتها عند باب الفصل، وأنا اتشوق لعودتها في الحصة المقبلة.
وهكذا كان يسير الحال في معظم الأيام
.
كنت عندما أقف بجوارها وهي تصحح الكراسات أتمنى فعليا ألا تنتهي الحصة، فأنا لا أملَّ من الحديث معها، وهي سعيدة بكلامي معها في أي شيء مهما كان بسيطا، كنت أحكي لها عن ذكرياتي بالأسكندرية ، وكيف كنت ألهو على رمال الشاطئ،وعن مدرستي وأصدقائي،وعن رحلة القطار التي كانت تستغرق وقتًا طويلًا في ذلك الوقت حتى نصل، وكيف كنت أغادر عربة النوم وأخرج للوقوف في الطرقة وأقف أمام الشباك لمشاهدة كل المناظر التي نمر بها، وكيف كنت أتخيل الأشجار أشباحًا تسرع مثل القطار لتلحق بنا، وكانت تضحك عندما أصف لها الناس الذين يستحمون بالترع بجوار حيواناتهم، والنساء اللاتي يجلسن على شاطئ الترع لغسيل الملابس والأواني، وكانت ترد عليّ بأنهم مازالوا لا يمتلكون مصادر مياه في منازلهم، لذلك يفعلون كل شيء عند الترع، وكنت أحزن كثيرًا، وأستغرب كيف لايمتلكون مياهًا في منازلهم.
.
أحيانا كنت أمسك يدها وأشير لها إلى وشم الصليب وأسالها إن كان قد آلمها وهي ترسمه؟ وهل هو واجب عليها ان تفعله، أم أن الأمر يعود لرغبتها الشخصية ... وهكذا كنت أسألها في براءة عن أي شيء، وهي تبتسم وترد على أسئلتي ببساطة وهدوء....آه يامعلمتي الحبيبة لو تعلمين كم كنت أحبك!
-------------------------- -------------------------- ----
..
. في أحد الأيام وكان من الأيام التي لا تُنسى.
دق جرس الفسحة وخرجنا إلى فناء المدرسة لنلعب.. كانت معي زميلتي في الفصل وكانت من أقرب التلميذات إلى قلبي.
قابلتنا زميلة أخرى أيضا من المجموعة المقربة إلى قلبي، وعندما وجدتني ألعب مع الزميلة الأخرى ابتعدت عني ، وكأنها لا تعرفني..استغربت كثيرًا..لم يحدث بيننا شيء يدعو لغضبها مني وابتعادها بهذه الطريقة..ناديتها ..أشارت بيدها وابتعدت..
تعجبت أكثر..بعدها استوقفتني، وكأنها تفتح معي تحقيقا ، وبلهجة حادة سألتني..كيف ألعب معها وأتركها هي؟ تقصد زميلتنا الثانية..
قلت لها بهدوء..وفيها إيه هي صاحبتي كمان.
فوجئت بها تقول لي..لكن هي مسيحية !!!
كانت المرة الأولى فعليا التي أواجه فيها مثل ذلك الموقف العصيب..كان الأمر بالنسبة إليَّ غريبا وصادما...
قلت لها باندهاش : وإيه يعني..هي صاحبتي زيك بالظبط ، وأنا بحبها وبحب ألعب معاها.
ردت في تحدٍ..لأ ... لو حتلعبي معاها خلاص ماتلعبيش معايا..
أوباااااا.....هذا موقف من المواقف الفاصلة...أكون أو لا أكون..
إنها تخيرني بوضوح بين الاحتفاظ بصداقتها، أو مصادقة الزميلة الثانية.
الغريب أنها كانت تريد ردا حاسما وسريعا.
كانت تريد حسم الموقف الذي اعتقدت على ما يبدو أنه محسوم لصالحها سلفا!!.
بعيدا عن أني لاأحب أن يفرض أحدهم رأيه علي، فأنا أيضا أكره أن أكون إمَّعة لمجرد إرضائها.
كنت قد تجاوزت مرحلة الاندهاش والاستغراب إلى مرحلة الغضب فعليا..لم يعجبني موقفها ومحاولتها لفرض رأيها علي، لم يعجبني انفعالها الشديد وتعصبها لموقفها.
عندما أقول إنني لم أواجه بمثل هذا الموقف من قبل، فإن ذلك لا يعني أنني لم أقابل زميلات أو جيران مسيحيين مثلا..لا بالطبع فقد كنت أصغر من ذلك عندما رأيت علاقاتنا مع جيراننا المسيحيين، وكيف كانت أمي تتعامل مع الجميع بلا أية تفرقة، وتهتم لأمر الجميع ، وكان من الطبيعي أن يعتبرها من حولنا أختا لهم بغض النظر عن كونهم مسيحيين او مسلمين..لم أشعر يوما بهكذا فرق في التعامل اليومي الذي اراه أمامي ..ولذلك كان الموقف جديدا وغريبا في الوقت نفسه..ماذا أفعل؟ وكيف أتصرف؟ ومن يرشدني في تلك اللحظة للتصرف السليم؟
-------------------------- -------------------------- --------
في الحقيقة لم أكن بحاجة لكثير من الوقت؛ لأتخذ موقفا سليمًا من وجهة نظري..كان خير مرشد لي في تلك اللحظات، هو موروثي الشخصي والمبادئ التي علمتها لنا أمي في كيفية التعامل الصحيح مع كل من حولنا.
..
حكايات كثيرة كانت تحكيها لنا عن كيفية تعامل الرسول- صلى الله عليه وسلم - مع الآخرين مهما كانت عقائدهم..المعاملة الطيبة هي أساس كل التعامل ..... .الدين المعاملة..وهل يوجد لنا قدوة في تعاملنا أفضل من رسولنا الكريم..؟
غرست فينا أمي بذورا طيبة لثقافة تقبل الآخر أيا كان لونه أو جنسه أودينه...فقط من حيث هو إنسان كرمه الله تعالى ..وأن واجب كل منا هو إعلاء قدر الإنسانية واتخاذها أرضا مشتركة نقف عليها جميعا.
.
نعم علمتنا أمي الحبيبة: أن التسامح والتعامل بحب واحترام متبادل، هو أساس وأهم مبادئ ديننا الحنيف..وأن أساس الدين هو المعاملة..
نعم ..يجب أن نقوم بأداء الفرائض الأساسية بالطبع، ولكن مايهم الآخرين هو التعامل الطيب، وتبقى الفرائض علاقة خاصة بيني وبين الله تعالى..هكذا ببساطة كنت أفهم الأمور.
من هنا كان غضبي من ذلك الموقف..
كان وقوفي على أرض صلبة من ذلك الإيمان بالأسلوب الصواب في التعامل خير معين لي على اجتياز ذلك الاختبار بطريقة سليمة..على الأقل من وجهة نظري.
عندما حاولت أن أشرح لها الأمر، وأنها ربما تكون على خطأ وجدت أنها لم تكن أقل مني إيمانا بصحة موقفها وسلامة تفكيرها..
أخيرًا تم الوصول إلى حل وسط، فقد اتفقت معها أنني سألعب معها بعض الأيام وبعضها الآخر ألعب مع زميلتي الثانية، ويكون لها هي حرية الانضمام لنا أو لا.
أمام إصراري وافقت هي على هذا الحل ، وهي تأمل أن أغير موقفي يوما ما.
.
مرت الأيام في تلك السنة، ومر العام الدراسي، لننتقل إلى الصف الرابع الابتدائي
.
الأعوام التالية جعلتني أتمنى أن تكون السنوات كلها..الصف الثالث الابتدائي؛ حتى لا أفارق معلمتي الحبيبة.
.
للحديث بقية...إلى اللقاء في الحلقة القادمة بإذن الله
-------------------------- -------------------------- --
بقلم...رجاء حسين
-------------------------- -

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق