-رابطة التسابيح الثقافية - فن * فكر*ادب *ثقافة * لكل المبدعين العرب المدير العام : الشاعر : شريف العسيلي

الجمعة، 21 سبتمبر 2018

شخصيات وذكريات_ مصطفى قدسي (أبوهاني)

[ شخصيات وذكريات ]

مصطفى قدسي : (أبو هاني)

إنني أحترم هذا الرجل.. بل إني أحب هذا الإسم..
لقد كان أبو هاني مثالاً للرجل العصامي النشيط، والذي كان رائداً في خدمات النقل البحري في اللاذقية في منتصف القرن الماضي "بمواعينه" الخشبية والتي تجرها "اللنشات" محملة بالبضائع مِن وإلى السفن الراسية خارج حوض الميناء، بحيث كانت ألاف الأسر في المدينة ترتزق من فرص العمل التي كانت توفرها مؤسستهُ الصاعدة رغم شخصيته البسيطة والمتواضعة والطيبة، مما سبب في تورطه مع أصدقاء له من إحدى القوائم الإنتخابية البرلمانية بالتعهد بدفع 100 ليرة لكل صوت انتخابي (هات الهوية وخود ميه) فدفع الملايين لأنه كان عند كلمته لتلك القائمة الإنتخابية المحظوظة، بينما وعدت القائمة الأخرى المنافسة بدفع 200 ليرة للصوت الواحد ولكنها لم تدفع شيئا، مما أدى لسخط المؤيدين لها و بالتالي أدى ذلك لسقوطها في الإنتخابات.. إنني أذكر كيف أن أحد الفقراء الذين وُعدوا بالـ 200 ليرة ولم يحصل على شيء، جُن جنونه، ودخل مرحلة من الهلوسة في نظم زجل يهجو فيه القائمة الأخرى والتي كان يؤيدها، والتي غدرت به، بينما حصل غيره على الـ 100 ليرة من قائمة أبو هاني، أذكر من بعض كلماته التي كان يغنيها : "زرقا وزرقا وزرقتين ..." (يقصد بالزرقا الـ 100 ليرة، لأنها كانت تُتداول بلون أزرق في ذلك الحين، وربما كانت تعادل قيمتها الشرائية 100 ألف ليرة أو أكثر بالنسبة لأيامنا هذه..
أبو هاني.. كيف لا أذكرك إلا بكل خير، سيما وأنا أتذكر عندما أرسلتني والدتي إليه، لعلّهُ يؤمِّن لي عملاً في مؤسستهِ خلال العطلة الصيفية لمدرستي آنذاك وأنا في سن 12 عاماً، وكيف قابلته في ذات صباح مبكّر في مقر إدارته: أي المقهى المجاور للباب الشمالي للميناء القديم: (مكان الجمعية المعلوماتية الآن)، فأجلسني إلى جانبه، ومعه مساعدين له، يعطي تعليمات لهم والجميع يجلس على كراسي القش في الهواء الطلق في ذلك المقهى البحري الشعبي العتيق.. جلست خلال تلك الدقائق وأنا أتأمله بطربوشه وشرواله وشاربيه الأبيضين (والمصفرّين بتأثير دخان الأركيلة ربما).. حيث أخذت أستمع لعبقرية الإدارة.. ولعله الدرس الأول في حياتي العملية كلها.. فجأة التفت إلي وقال: "يا إبن أحُوّي إنت إساك صغير".. لقد قصد أن يطلعني بشكل غير مباشر على طبيعة العمل الجدّي الذي يمارسه وعن نوعية الكفاءات التي يعتمد عليها دون أن يجرحني.. وغادرت وأنا مسرور.. وأنا فخور.. إذ قابلت تلك الشخصية الفذة التي لم أنساها ولن أنساها، لقد كان أبو هاني أغنى رجل في اللاذقية في ذلك الحين ولكن طيبته وكرمه وتطور إنشاءات المرفأ الحديثة  وخطوات التأميم الغير مدروسة من قبل الدولة والتي اتُخذت بعد أواسط القرن الماضي أضرّت بالإقتصاد وبه وبكثيرين، مما دفع به وبغيره إلى الحضيض .. رحم الله الجميع وأحسن إليهم ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق